ابن الجوزي
218
صيد الخاطر
فينبغي أن يقطع الطريق بألطف ممكن . وإذا تعبت الرواحل نهض الحادي يغنيها . وأخذ الراحة للجدّ جدّ . وغوص السابح في طلب الدر صعود . ودوام السير يجشر الإبل « 1 » والمفازة صعبة . ومن أراد أن يرى التلطف بالنفس فلينظر في سيرة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم فإنه كان يتلطف بنفسه ، ويمازح ويخالط النساء ، ويقبّل ويمص اللسان ، ويختار المستحسنات ، ويستعذب له الماء ويختار الماء البارد « 2 » ، والأوفق من المطاعم كلحم الظهر والذراع والحلوى . وهذا كله رفق بالناقة في طريق السير . فأما من جرد عليها السوط فإنه يوشك ألّا يقطع الطريق . وقد قال صلّى اللّه عليه وسلم ان هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق ، فان المنبتّ لا أرضا قطع ، ولا ظهرا أبقى . واعلم أنه ينبغي للعاقل أن يغالط نفسه فيما يكشف العقل عن عواره ، فان فكر المتيقظ يسبق قبل مباشرة المرأة إلى أنها اعتناق جسد يحتوي على قذاره ، وقبل بلع اللقمة انها متقلبة في الريق لو أخرجها اللسان « 3 » ولو فكر في قرب الموت وما يجري عليه بعده ، لبغض عاجل لذته ، فلا بد من مغالطة تجري لينتفع الانسان بعيشه كما قال لبيد : فاكذب النفس إذا حدثتها * ان صدق النفس يزري بالأمل وقال البستي « 4 » : أفد طبعك المكدود بالهم راحة * تجمّ وعلله بشيء من المزح ولكن إذا أعطيته ذاك فليكن * بمقدار ما يعطى الطعام من الملح وقال أبو علي بن الشبل « 5 » : وإذا هممت فناج نفسك بالمنى * وعدا فخيرات الجنان عدات
--> ( 1 ) يريد انه يتعبها . ( 2 ) كرر هذا المعنى من قبل . ( 3 ) هنا بياض بالأصل . ( 4 ) أبو الفتح علي بن الحسين كان من أكبر شعراء عصره توفي في بخارى سنة 400 ه . ( 5 ) الحسين بن عبد اللّه فيلسوف شاعر توفي في بغداد سنة « 474 ه » وله القصيدة النادرة المشهورة جدا : بربك أيها الفلك المدار * أقصد ذا المسير أم اضطرار